الآلوسي
69
تفسير الآلوسي
تعالى عنه لا يشترط يوماً ولا صوماً ، لما أخرج الدارقطني والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه " ومثله عن ابن مسعود ، وعن عليّ كرم الله تعالى وجهه روايتان أخرجهما ابن أبي شيبة من طريقين إحداهما : الاشتراط ، وثانيتهما : عدمه ، وعلى أن المعتكف إذا خرج من المسجد فباشر خارجاً جاز لأنه حصر المنع من المباشرة حال كونه فيه ، وأجيب بأن المعنى : لا تباشروهن حال ما يقال لكم إنكم عاكفون في المساجد ومن خرج من المسجد لقضاء الحاجة فاعتكافه باق ، ويؤيده ما روي عن قتادة كان الرجل يعتكف فيخرج إلى امرأته فيباشرها ثم يرجع - فنهوا عن ذلك - واستدل بها أيضاً على أن الوطء يفسد الاعتكاف لأن النهي للتحريم ، وهو في العبادات يوجب الفساد ، وفيه أن المنهي عنه هنا - المباشرة حال الاعتكاف - وهو ليس من العبادات لا يقال : إذا وقع أمر منهي عنه في العبادة - كالجماع في الاعتكاف - كانت تلك العبادة منهية باعتبار اشتمالها على المنهي ومقارنتها إياه إذ يقال : فرق بين كون الشيء منهياً عنه باعتبار ما يقارنه ، وبين كون المقارن منهياً في ذلك الشيء والكلام في الأول ، وما نحن فيه من قبيل الثاني . * ( تلْكَ ) * أي الأحكام الستة المذكورة المشتملة على إيجاب وتحريم وإباحة * ( حُدُودُ الله ) * أي حاجزة بين الحق والباطل * ( فَلاَ تَقْرَبُوهَا ) * كيلا يدانى الباطل والنهي عن القرب من - تلك الحدود - التي هي الأحكام كناية عن النهي عن قرب الباطل لكون الأول لازماً للثاني وهو أبلغ من ( لا تعتدوها ) لأنه نهي عن قرب الباطل بطريق الكناية التي هي أبلغ من الصريح ، وذلك نهي عن الوقوع في الباطل بطريق الصريح ، وعلى هذا لا يشكل لا تقربوها في تلك الأحكام مع اشتمالها على ما سمعت ، ولا وقوع * ( فلا تعتدوها ) * ( البقرة : 229 ) وفي آية أخرى إذ قد حصل الجمع وصح لا تقربوها في الكل ، وقيل : يجوز أن يراد بحدود الله تعالى محارمه ومناهيه إما لأن الأوامر السابقة تستلزم النواهي لكونها مغياة بالغاية ، وإما لأن المشار إليه قوله سبحانه : * ( ولا تباشروهن ) * وأمثاله ، وقال أبو مسلم : معنى * ( لا تقربوها ) * لا تتعرضوا لها بالتغيير كقوله تعالى : * ( ولا تقربوا مال اليتيم ) * ( الأنعام : 152 ) فيشمل جميع الأحكام - ولا يخفى ما في الوجهين من التكليف - والقول - بأن تلك إشارة إلى الأحكام - والحد - إما بمعنى المنع أو بمعنى الحاجز بين الشيئين ، فعلى الأول : يكون المعنى تلك الأحكام ممنوعات الله تعالى عن الغير ليس لغيره أن يحكم بشيء * ( فلا تقربوها ) * أي لا تحكموا على أنفسكم أو على عباده من عند أنفسكم بشيء - فإن الحكم لله تعالى عز شأنه - وعلى الثاني : يريد أن تلك الأحكام حدود حاجزة بين الألوهية والعبودية ، فالإله يحكم والعباد تنقاد ، فلا تقربوا الأحكام لئلا تكونوا مشركين بالله تعالى - لا يكاد يعرض على ذي لب فيرتضيه ، وهو بعيد بمراحل عن المقصود كما لا يخفى . * ( كذلك ) * أي مثل ذلك التبيين الواقع في أحكام الصوم * ( يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاته ) * إما مطلقاً أو الآيات الدالة على سائر الأحكام التي شرعها * ( للنَّاس لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) * مخالفة أوامره ونواهيه ، والجملة اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه لتقرير الأحكام السابقة والترغيب إلى امتثالها بأنها شرعت لأجل تقواكم ، ولما ذكر سبحانه الصيام وما فيه عقبه بالنهي عن الأكل الحرام المفضي إلى عدم قبول عبادته من صيامه واعتكافه [ بم فقال : * ( وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُم بالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَآ إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) * * ( وَلاَ تَأْكُلُوآ أمْولَكُم بَيْنَكُم بالْبَطل ) * والمراد من - الأكل - ما يعم الأخذ والاستيلاء ، وعبر به